عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

119

الذيل على طبقات الحنابلة

وأما " الذي " فقد استعملت مفردة للجنس ، ورجع الضمير تارة إلى لفظها مفرداً ، وتارة إلى معناها مجموعاً ، قال تعالى : " مثلهم كمثل الني استوقد ناراً . فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ، وتركهم في ظلمات لا يبصرون " " البقرة : 17 " ، فجاء بالضمير مفرداً ومجموعاً ، وقال تعالى : " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " " الزمر : 33 " ، فأعاد الضمير بلفظ الجمع ، فكذلك في قوله : " إنما يرحم الله من عباده الرحماء " ، ولك على هذا الوجه أن تجعل " إن " العاملة ، وأن تجعلها بمعنى " نعم " على ما سبق . الوجه الثاني من وجوه " ما " التي يجوز معها رفع " الرحماء " : أن تكون ، " ما " نكرة موصوفة في موضع : فريق أو قبيل ، و " يرحم " صفة لها ، و " الرحماء " الخبر ، والعائد من الصفة إلى الموصوف محذوف ، تقديره : إن فريقاً يرحمه الله : الرحماء . فإن قيل : كيف يصح الابتداء بالنكرة ، والإخبار بالمعرفة عنها ؟ . قيل : النكرة هنا قد خصصت بالوصف ، والرحماء لا يقصد بهم قصد قوم بأعيانهم . فكان فيه كذلك نوع إيهام . فلما قرنت النكرة هنا بالصفة من المعرفة ، وقرنت المعرفة من النكرة بما فيها من إبهام : صح الإخبار بها عنها ، على أن كثيراً من النكرات يجري مجرى المعارف في باب الأخبار إذا حصلت من ذلك فائدة ، والفائدة هنا حاصلة . الوجه الثالث : أن تكون " ما " مصدرية ، وفي تصحيح الإخبار عنها بالرحماء ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون المصدر هنا بمعنى المفعول ، تقديره : إن مرحوم الله من عباده الرحماء . ومنه " هذا خلق الله " " لقمان : 13 " ، أي مخلوقه . وقال أبو علي : لك أن تجعل " ما " من قوله : " والله مخرج ما كنتم تكتمون " مصدرية : أي كتمانكم ، وكتمانكم بمعنى مكتومكم ؛ لأن الكتمان لا يظهر ، وإنما يظهر المكتوم .